ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

328

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

فأعرض مزورا كأنّ بوجهه * تفقّؤ رمّان وقد برد الصّدر فما زلت أرقيه وألثم خدّه * إلى أن تغنّى راضيا وبه سكر ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى * ولا زال منهلّا بجرعائك القطر « 1 » وقد استعمل هذا الضرب كثيرا الخطيب عبد الرحمن بن نباتة رحمه اللّه ؛ فمن ذلك قوله في بعض خطبه ، وهو : فيا أيّها الغفلة المطرقون ، أما أنتم بهذا الحديث مصدّقون ، فما لكم منه لا تشفقون ، فو ربّ السماء والأرض إنه لحقّ مثل ما أنكم تنطقون . وكذلك قوله في ذكر يوم القيامة ، وهو : فيومئذ تغدو الخلائق على اللّه بهما ، فيحاسبهم على ما أحاط به علما ، وينفذ في كل عامل بعمله حكما ، وعت الوجوه للحيّ القيوم وقد خاب من حمل ظلما . ألا ترى إلى براعة هذا التضمين الذي كأنه قد رصع في هذا الموضع رصعا . وعلى نحو من ذلك جاء قوله في ذكر يوم القيامة ، وهو : هناك يقع الحساب على ما أحصاه اللّه كتابا ، وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابا ، يوم يقوم الروح والملائكة صفّا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا . ومما ينتظم بهذا السلك قوله في خطبة أخرى ، وهو : أسكتهم اللّه الذي أنطقهم ، وأبادهم الذي خلقهم وسيجدهم كما أخلقهم ، ويجمعهم كما فرّقهم ، يوم يعيد اللّه العالمين خلقا جديدا ، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا ، يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا . ومن هذا الباب قوله أيضا : هنالك يرفع الحجاب ، ويوضع الكتاب ، ويجمع من وجب له الثواب ، ومن حق عليه العقاب ، فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب . وأمثال هذه التضمينات في خطبه كثيرة ، وهي من محاسن ما يجيء في هذا النوع .

--> ( 1 ) هذا البيت مطلع قصيدة لذي الرمة غيلان بن عقبة وفي ا ، ب ، ج « ألا فاسلمي » .